فصل : والمبيت بمزدلفة واجب ، من تركه فعليه دم .
هذا قول عطاء ، والزهري ، وقتادة ، والثوري ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي .
وقال علقمة ، والنخعي ، والشعبي : من فاته جمع فاته الحج ؛ لقول الله تعالى : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { من شهد صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه ، وقضى تفثه } .
ولنا ، قول النبي صلى الله عليه وسلم : { الحج عرفة ، فمن جاء قبل ليلة جمع فقد تم حجه } . يعني من جاء عرفة .
وما احتجوا به من الآية والخبر ، فالمنطوق به فيهما ليس بركن في الحج إجماعا ، فإنه لو بات بجمع ، ولم يذكر الله تعالى ، ولم يشهد الصلاة فيها ، صح حجه ، فما هو من ضرورة ذلك أولى ، ولأن المبيت ليس من ضرورة ذكر الله تعالى بها ، وكذلك شهود صلاة الفجر ، فإنه لو أفاض من عرفة في آخر ليلة النحر ، أمكنه ذلك ، فيتعين حمل ذلك على مجرد الإيجاب ، أو الفضيلة أو الاستحباب .
فصل : ومن بات بمزدلفة ، لم يجز له الدفع قبل نصف الليل ، فإن دفع بعده ، فلا شيء عليه .
وبهذا قال الشافعي .
وقال مالك : إن مر بها ولم ينزل ، فعليه دم ، فإن نزل ، فلا دم عليه متى ما شاء دفع .
ولنا ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها ، وقال : خذوا عني مناسككم } .
وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه ،
فروى ابن عباس ، قال : كنت في من قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى .
وعن أسماء ، أنها نزلت ليلة جمع عند دار المزدلفة ، فقامت تصلي ، فصلت ، ثم قالت : هل غاب القمر ؟ قلت : نعم . قالت : فارتحلوا . فارتحلنا ، ومضينا حتى رمت الجمرة ، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها ، قلت لها : أي هنتاه ، ما أرانا إلا غلسنا . قالت : كلا يا بني ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن . متفق عليهما .
وعن عائشة قالت : { أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت } . رواه أبو داود .
فمن دفع من جمع قبل نصف الليل ، ولم يعد في الليل ، فعليه دم ، وإن عاد فيه ، فلا دم عليه ، كالذي دفع من عرفة نهارا .
ومن لم يوافق مزدلفة إلا في النصف الأخير من الليل ، فلا شيء عليه ؛ لأنه لم يدرك جزءا من النصف الأول ، فلم يتعلق به حكمه ، كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار .
والمستحب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في المبيت إلى أن يصبح ، ثم يقف حتى يسفر .
ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء ، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف ، وعائشة . وبه قال عطاء ، والثوري ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . ولا نعلم فيه مخالفا ، ولأن فيه رفقا بهم ، ودفعا لمشقة الزحام عنهم ، واقتداء بفعل نبيهم صلى الله عليه وسلم .
المغني لابن قدامة رحمه الله