قال ابن القيم – رحمه الله – في " إعلام الموقّعين 1/87":
( صحة الفهم ، وحسن القصد ، من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل، ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليه الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم، الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل..، ويمده حسن القصد وتحري الحق وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى ) أ.هـ
نعم إن من أعظم النعم التي ينعم الله بها على العبد هي نعمة حسن الفهم...
وخطورة سوء الفهم يمتد أثرها على الداعية نفسه وإلى الناس من حوله فيضل ويُضل، فبعض الناس قد يغتر ويحسن الظن به حينما يرى عليه أثر العبادة وحسن الحديث وحفظ لكتاب الله وبعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقبل كلامه على علاته ويتبناه ويدعو إليه لحسن ظنه به...
وكلنا يعرف حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل في أول مرة على راهب فأفتاه بما يقنطه من رحمة الله فقتله وكمل به المائة ، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل في هذه لمرة على عالم فأرشده إلى الصراط المستقيم ...
ولاشك أن ما ميز العالم عن الراهب هو حسن الفهم ...
ولعل أوضح مثال عبر التاريخ الإسلامي على ذلك هو الخوارج ، فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأحسن وصف حينما قال عنهم ( يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ) ...
وهذا سبب انحرافهم الأكبر سوء الفهم لكتاب الله عز وجل والسطحية في التعامل مع القرآن ...
فالداعية يحتاج إلى الفهم السليم ومعرفة كيفية التعامل مع النصوص ، لا أن يتعامل معها بسطحية ...
فالداعية بالإضافة إلى حاجته لمعرفة النصوص الشرعية وكيفية الاستنباط منها في حاجة إلى أنواع أخرى من الفقه:
أ- فقه الاولويات: ونعني به تقديم ما هو أولى على ما يمكن تأجيله أو تأخيره لعموم الحاجة الملحة اليه.
ب- فقه الموازنات: ونعني به تقديم المصلحة الراجحة على المصلحة المرجوحة، وتقديم درء المفسدة الراجحة على المفسدة الضئيلة المرجوحة، وتقدم درء المفاسد على جلب المصالح اذا كان في المفسدة ضرر اعظم من المصلحة المرجوحة.
جـ - فقه الواقع ومراعاة احوال الناس وعقولهم وعاداتهم واعرافهم وتقاليدهم وقناعاتهم ومفاهيمهم ومخاطبة الناس على قدر عقولهم واستيعابهم، وعدم الخوض في أية مسألة لا تدركها عقول المخاطبين فان في ذلك فتنة لهم.
د - فقه المقاصد للنصوص وعدم اعتبار ظاهر النص في كل الاحوال فان لكل نص مقصداً وغاية وهدفاً، وان كل ناظر الى ظاهر النصوص دون مراعاة المقاصد منها سوف يَضل ويُضل وهذا ما عابه اهل العلم على مذهب الظاهرية الذين عطلوا المقاصد واعتبروا الظواهر وهذا من الافراط في التعامل مع الظواهر، قابله تفريط المفرطين الذين عطلوا الظواهر واعتبروا المقاصد فالعدل والانصاف يقتضيان اعتبار الظاهر اذا أريد الظاهر، واعتبار المقاصد اذا اريد ذلك .
هـ - فقه المرحلة: وهو فقه مهم للغاية لأن المسلم يجب أن يحيا مرحلته وعصره ووقته، مستنداً الى تجارب الماضي ومتطلعاً الى طموح المستقبل، معتنياً بهذا الفقه بواجب الوقت الذي يفرضه الشرع الحنيف عليه فلا يلتفت الى واجب مضى ولا ينشغل بواجب لم يأت أوانه بعد انما المهم الذي يجب ان ينشغل المسلم به ما أوجبه الله تعالى عليه في التو والساعة، كما ان الرجل اذا دخل وقت صلاة الظهر انشغل بها وعقد النية على أدائها في وقتها فلا يفكر في صلاة الصبح التي أداها ولا ينشغل بصلاة المغرب قبل الغروب، انما شاغله ما أوجب الله تعالى عليه في ذلك الوقت وهذا مثال للايضاح المراد منه أن يكون المسلم (رجل المرحلة) التي يحياها فيراعي فيها الواجبات الحينية وهذا قطعاً سوف يعينه على ادائها على أكمل وجه لانه سوف يُفرِغ وسعه للاتيان بها كاملةً، متزنةً، واقعية، عقلانية وفق ما يقتضيه واقع الحال وفقه المرحلة أما اذا انشغل المسلم بماضٍ أكل الدهر عليه وشرب، وبمستقبل غيبي لا يعلمه الا الله تعالى فان ذلك مضيعة للوقت والجهد والصحة والفراغ وربما للمال والشباب الذي منَّ الله تعالى به على المسلم ليغتنمه على وجهه الامثل الذي اراده الله تعالى من المسلمين.
فهذه بعض الأنواع المهمة التي تعين على حسن الفهم ...
ونكمل - إن شاء الله - في تطبيق هذا التنظير على واقعنا المعاصر
وتقبلوا تحياتي